صديق الحسيني القنوجي البخاري

456

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليهم ، فكأنه قال إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم وقصور معارفكم عن عاقبته وما يترتب عليه ، أو أراد أنهم عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر اعتذارا لهم ودفعا لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كبارا ، وهذه الآية تصديق لقوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ يوسف : 15 ] . قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرىء بالاستفهام التقريري وبدونه ، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب . وقيل سبب معرفتهم له بمجرد قوله ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو ، وقيل إنه لما قال لهم هذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه ، وقيل إنه ت بسم فعرفوا ثناياه . قالَ أَنَا يُوسُفُ أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه ، قال ابن الأنباري : أظهر الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو تعظيما لما وقع له من ظلم إخوته ، كأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله ، فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني وقال وَهذا أَخِي مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالخلاص عما ابتلينا به ، وقيل منّ اللّه علينا بكل خير في الدنيا والآخرة وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق وقيل بالسلامة في ديننا ودنيانا ولا مانع من إرادة جميع ذلك . إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ قرىء بالجزم على أن من شرطية وقرىء بإثبات الياء في يتقي وقيل من موصولة لا شرطية وهو بعيد والمعنى من يفعل التقوى أو يفعل ما يتقيه من الذنوب ويصبر على المصائب ، وقيل يتقي الزنا ويصبر على العزوبة ، وقيل يتقي المعصية ويصبر على السجن ، وقيل يتقي اللّه بأداء فرائضه ويصبر عما حرم اللّه ، وقيل يتقي الفحشاء ويصبر على الطاعة والعموم أولى ، ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع . فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ على العموم فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولا أوليا وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان . قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اختارك وفضلك اللَّهُ عَلَيْنا بما خصك به من صفات الكمال أو بالعلم والعقل أو بالملك قاله الضحاك أو بالصبر قاله أبو صالح أو بالحلم والصفح أو بالحسن ، وقيل بالنبوة وقيل بسائر الفضائل التي أعطاها اللّه له دون إخوته ، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا ، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره قيل ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء ، فإن درجة الأنبياء متفاوتة قال